ابن عطية الأندلسي
381
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
فكأنها إشارة إلى العدالة : وقوله تعالى : مِنْ رِجالِكُمْ نص في رفض الكفار والصبيان والنساء ، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم . واختلف العلماء فيهم فقال شريح وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل : شهادة العبد جائزة إذا كان عدلا ، وغلبوا لفظ الآية . وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء : لا تجوز شهادة العبد ، وغلبوا نقص الرق ، واسم كان الضمير الذي في قوله يَكُونا . والمعنى في قول الجمهور ، فإن لم يكن المستشهد رجلين أي إن أغفل ذلك صاحب الحق أو قصده لعذر ما ، وقال قوم : بل المعنى فإن لم يوجد رجلان ، ولا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم الرجال ، وهذا قول ضعيف ، ولفظ الآية لا يعطيه بل الظاهر منه قول الجمهور ، وقوله : فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مرتفع بأحد ثلاثة أشياء ، إما أن تقدر فليستشهد رجل وامرأتان ، وإما فليكن رجل وامرأتان ويصح أن تكون يَكُونا هذه التامة والناقصة ، ولكن التامة أشبه ، لأنه يقل الإضمار ، وإما فرجل وامرأتان يشهدون ، وعلى كل وجه فالمقدر هو العامل في قوله : أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما وروى حميد بن عبد الرحمن عن بعض أهل مكة أنهم قرءوا « وامرأتان » بهمز الألف ساكنة . قال ابن جني : لا نظير لتسكين الهمزة المتحركة على غير قياس وإنما خففوا الهمزة فقربت من الساكن ، ثم بالغوا في ذلك فصارت الهمزة ألفا ساكنة كما قال الشاعر : [ الطويل ] . يقولون جهلا ليس للشّيخ عيّل * لعمري لقد أعيلت وأن رقوب يريد « وأنا » ، ثم بعد ذلك يدخلون الهمزة على هذه الألف كما هي . وهي ساكنة وفي هذا نظر ، ومنه قراءة ابن كثير « عن ساقيها » وقولهم يا ذو خاتم قال أبو الفتح : فإن قيل شبهت الهمزة بالألف في أنها ساوتها في الجهر والزيادة والبدل والحذف وقرب المخرج وفي الخفاء فقول مخشوب لا صنعة فيه ، ولا يكاد يقنع بمثله ، وقوله تعالى : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ رفع في موضع الصفة لقوله عزّ وجل : فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ . قال أبو علي : ولا يدخل في هذه الصفة قوله : شَهِيدَيْنِ اختلاف الإعراب . قال القاضي أبو محمد : وهذا حكم لفظي ، وأما المعنى فالرضى شرط في الشهيدين كما هو في الرجل والمرأتين . قال ابن بكير وغيره : قوله مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مخاطبة للحكام . قال القاضي أبو محمد : وهذا غير نبيل ، إنما الخطاب لجميع الناس ، لكن المتلبس بهذه القضية إنما هم الحكام ، وهذا كثير في كتاب اللّه يعم الخطاب فيما يتلبس به البعض ، وفي قوله : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ دليل على أن في الشهود من لا يرضى ، فيجيء من ذلك أن الناس ليسوا بمحمولين على العدالة حتى تثبت لهم . وقرأ حمزة وحده : « إن تضل » بكسر الألف وفتح التاء وكسر الضاد « فتذكر » بفتح الذال ورفع الراء وهي قراءة الأعمش . وقرأها الباقون « أن تضل » بفتح الألف « فتذكر » بنصب الراء . غير أن ابن كثير وأبا عمرو خففا الذال والكاف ، وشددها الباقون ، وقد تقدم القول فيما هو العامل في قوله : أَنْ تَضِلَّ ، و أَنْ مفعول من أجله والشهادة لم تقع لأن تضل إحداهما . وإنما وقع إشهاد امرأتين لأن تذكر